ابن حزم

166

رسائل ابن حزم الأندلسي

وقرأت في سير ملوك السودان أن الملك منهم يوكل ثقة له بنسائه يلقي عليهن ضريبة من غزل الصوف يشغلن بها أبد الدهر ، لأنهم يقولون : إن المرأة إذا بقيت بغير شغل إنما تتشوف ( 1 ) إلى الرجال ، وتحن إلى النكاح . ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن ما لا يكاد يعلمه غيري ، لأني ربيت في حجورهن ، ونشأت بين أيديهن ، ولم أعرف غيرهن ، ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل ( 2 ) وجهي ؛ وهن علمتني القرآن وروينني كثيراً من الأشعار ودربنني في الخط ، ولم يكن وكدي وإعمال ذهني مذ أول فهمي وأنا في سن الطفولة جداً إلا تعرف أسبابهن ، والبحث عن أخبارهن ، وتحصيل ذلك . وأنا لا أنسى شيئاً مما أراه منهن ، وأصل ذلك غيرة شديدة طبعت عليها ، وسوء ظن في جهتهن فطرت به ، فأشرفت من أسبابهن على غير قليل ، وسيأتي ذلك مفسراً في أبوابه ، إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) في الطبعات : تشوق . ( 2 ) عند الصيرفي : تفيل ، وتابعه مكي على ذلك .